اسماعيل بن محمد القونوي
454
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( ثم اختلفوا في أن مجرد التصديق ) لما أثبت أن الإيمان هو التصديق وحده حاول بيان اختلاف القائلين بأنه هو التصديق إذ بيان الاختلاف موقوف على الأول ولهذا أورد هذا بثم الدالة على التراخي ( بالقلب ) وتركه أولى ( هل هو كاف ) في كونه مؤمنا عند اللّه تعالى ( لأنه المقصود ) من التكليف « 1 » وأما الإقرار فإنما هو لإجراء الأحكام الدنيوية إلا اللّه محمد رسول اللّه ولكن لم يصدق بقلبه فلا نشك في أن هذا في حكم الأغرة من الكفار وأنه مخلد في النار ولا نشك أنه في حكم الدنيا الذي يتعلق بالأئمة والولاة من المسلمين لأن قلبه لا يطلع عليه ثم قال رحمه اللّه فإن قلت فما شبهة المعتزلة والمرجئة وما حجة بطلان قولهم فأقول شبهتهم عمومات القرآن أما المرجئة قالوا لا يدخل المؤمن النار وإن أتى بكل المعاصي لقوله تعالى : فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً [ الجن : 13 ] ولقوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ [ الحديد : 19 ] وقوله تعالى : كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ [ الملك : 8 ] وقوله كلما ألقى عام فينبغي أن يكون كل فوج ألقي فيها مكذبا ولقوله : لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [ الليل : 15 ] وهذا حصر وإثبات ونفي ولقوله : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [ النمل : 89 ] والإيمان رأس الحسنات ولقوله تعالى : وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [ آل عمران : 148 ] وقال اللّه تعالى : إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [ الكهف : 30 ] ولا حجة لهم في ذلك حيث ذكر الإيمان بهذه الآيات أريد به الإيمان مع العمل ودليل هذا التأويل أخبار كثيرة في معاقبة العاصين ومقادير العقاب وقوله : « يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان » فكيف يخرج إذا لم يدخل ومن القرآن قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] والاستثناء بالمشئية يدل على الانقسام وقوله تعالى : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ [ الجن : 23 ] وتخصيصه بالكفر تحكم وقوله إلا أن الظالمين في عذاب مقيم وقال تعالى : وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [ النمل : 90 ] فهذه العمومات في معارضة عموماتهم ولا بد من تسليط التخصيص والتأويل على الجانبين لأن الأخبار مصرحة بأن العصاة يعذبون بل قوله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [ مريم : 71 ] كالصريح في أن ذلك لا بد منه للكل إذ لا يخلو مؤمن عن ذنب يرتكبه وقوله : لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى [ الليل : 15 ] أراد به من جماعة مخصوصين إذا أراد بالأشقى شخصا معينا أيضا وقوله : كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ [ الملك : 8 ] أي فوج من الكفار وتخصيص العمومات قريب ومن هذه الآية وقع للأشعري وطائفة من المتكلمين انكار صيغ العموم وأن هذه الألفاظ يتوقف فيها إلى أن ترد قرينة تدل على معناها وأما المعتزلة فشبهتهم قوله تعالى : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى [ طه : 82 ] وقوله تعالى : وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا
--> ( 1 ) وذلك لأن للإيمان وجودا عينيا يترتب عليه آثاره وهو الحاصل للقلب بحسب ارتفاع الحجاب بينه وبين الحق ووجودا ذهنيا وهو ملاحظة ذلك النور ووجودا لفظيا وهو أن شهادة أن لا إله إلا اللّه والوجود العيني هو الأصل باقي الوجودات هو الفرع والتابع كذا نقل عن النيسابوري وهذا بيان مسلك الطائفة الأولى فلا يرد عليه أن من جعل الشهادة ركنا كلمة يقول الشهادة ليست إخبارا عن عقد القلب بل إنشاء عقد وابتداء شهادة والتزام كذا في الإحياء انتهى على أنه يخالف ما ذكره صاحب كشف البزدوي من أن اللسان لما كان معبرا عما في القلب الخ وأيضا على ما ذكر في الإحياء يلزم أن لا يحتمل السقوط كالتصديق .